عبد الشافى محمد عبد اللطيف

187

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

مأمورين بالقبض عليه ، وأخذه بالقوة ليحاكم أمام سيدهم ؟ هل اعتقلهما أو أمر بقتلهما ؟ أبدا ، لم يحدث شيء من هذا ، وإنما رد عليهما ردّا جميلا ، وفي هدوء أخبرهما أن ملكهم هذا المتجبر قد هلك ، وعلى يد ابنه بالذات حيث ثار عليه وقتله ، وكلفهما بأن يحملا منه رسالة إلى باذان يدعوه فيها إلى الإسلام ، فإن هو قبل وأسلم ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سيقره على عمله كحاكم لليمن باسم الإسلام ، وقد شرح اللّه صدر باذان للإسلام فأسلم وأصبح يحكم اليمن باسم النبي صلّى اللّه عليه وسلم . أرأيت كيف عامل النبي مبعوثي عدوه وعدو اللّه كسرى . فأعطاهما الأمان ولم يمسهما بسوء . وإليك مثلا آخر ، يعتبر من أروع الأمثلة على ذلك . وهو صنيع النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع مبعوثي مسيلمة الكذاب ، اللذين جاآه يحملان إليه مزاعم مسيلمة بأنه أشرك معه في الرسالة . فمع خطورة القضية التي جاآه من أجلها ، ومع شذوذ مطلبهما إلا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يمسهما بسوء ؛ لأنهما رسولان . وكان رسولا مسيلمة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، هما ابن النواجة ، وابن آثال ، وكان معهما رسالة من مسيلمة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، نصها كالآتي : « من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه ، سلام عليك . أما بعد ؛ فإني قد أشركت في الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم لا يعدلون » « 1 » فلما سمع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم نص الرسالة قال : « فما تقولان أنتما ؟ » قالا : نقول كما قال . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أما واللّه لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما » « 2 » . ثم كتب إلى مسيلمة رسالة هذا نصها : « من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب ، السلام على من اتبع الهدى . أما بعد ؛ فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » « 3 » هذه هي معاملة النبي صلّى اللّه عليه وسلم لمبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم ؛ احترام وصيانة وأمن لأرواحهم ، مهما كان من خطورة الموقف الذي يتباحثون من أجله ، ومهما بدا منهم من الوقاحة والبذاءة . بل أكثر من ذلك ؛ فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان في كثير من الأحيان يتبسط مع الرسل والمبعوثين ، ويهداهم بعض الهدايا ، ويخلع عليهم بعض الخلع ، وهذا من فرط سماحته وكرمه صلّى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة النبوية - القسم الثاني ( ص 600 ) . ( 2 ) ابن هشام - السيرة النبوية - القسم الثاني ( ص 600 ) . ( 3 ) ابن هشام - المصدر السابق ( ص 601 ) .